حبيب الله الهاشمي الخوئي

6

منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة

بين يديها ولا من خلفها . وهذا هو السلطان العادل الذي كان ظلّ اللَّه تعالى في أرضه ، وللَّه درّ الرّضى قائلا : ليعلم بها أنّه عليه السّلام كان يقيم عمّاد الحقّ ويشرع أمثلة العدل في صغير الأمور وكبيرها ودقيقها وجليلها ، ولا ريب أنّ السياسة إذا كانت بيده أو بيد من يقوم مقامه ويجلس مجلسه ويجرى أوامره ممّن حاز هذه الرتبة العظمى والدرجة العليا كان الزمان نورانيّا ، وإذا خلى الزمان عن تدبير مدبّر إلهي كانت الظلمات غالبة . قوله عليه السّلام : ( انطلق على تقوى اللَّه وحده لا شريك له ) كان من دأبه عليه السّلام في أكثر وصاياه أن يصدرها بالأمر بتقوى اللَّه وقد مضى الكلام في ذلك في شرح المختار الثّاني عشر فراجع . قوله عليه السّلام : ( ولا تروعنّ مسلما ) لما جعله عليه السّلام واليا على جباية الصدقات والولاية إمارة توجب البغي والطغيان على الناس إلَّا واليا عصمه اللَّه تعالى عن اتباع الهوى نهاه عن أن يفزع مسلما . وقد ذاق المسلمون فزعا شديدا مرّة بعد مرّة في أمارة الثالث حتّى ضاق عليهم العيش فأجمعوا على قتله وقتلوه . قوله عليه السّلام : ( ولا تختارنّ عليه كارها إلخ ) اى لا تختارنّ على المسلم أمرا يكرهه بل ارفق به وخيّره فيه وكأنّ هذا الكلام توطئة لما سيأتي في وصيّته له : واصدع المال صدعين ثمّ خيّره إلخ ، وإن كان مفهومه أعمّ منه يشمل النهى عن الاختيار عليه كلّ ما يكرهه . هذا على نسخة الرّضي ، وأما على نسخ أخرى أعنى تجتازن بالجيم والزاي المعجمة فمعناه لا تسلك ولا تسر على أرض المسلم أو ماله أو بيته ونحوها يكره مرورك بها ، فكلمة كارها على الأوّل منصوب على المفعولية ، وعلى الثّاني منصوب على الحال من الضمير المجرور والمراد من حقّ اللَّه الزكاة . وهذا هو الملك العادل الإلهي ينهى عامله عن أن يمرّ ببيوت أحد من المسلمين يكره مروره بها وإن كان ذلك المسلم من رعاة الأغنام ومن أهل البادية